ابن الجوزي

223

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ، ثم أصبحت أبكي ، ودعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عليّ بن أبي طالب ، وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي ليستشيرهما في فراق أهله ، قالت : فأما أسامة بن زيد ، فأشار على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم من نفسه لهم من الود ، فقال : يا رسول الله هم أهلك ، ولا نعلم إلَّا خيرا وأما علي بن أبي طالب فقال : لم يضيق الله عز وجل عليك والنساء سواها كثير ، وأن تسأل الجارية تصدقك . قالت : فدعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بريرة ، فقال : « أي بريرة ، هل رأيت من شيء يريبك من عائشة » ؟ فقالت له بريرة : والَّذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فيأكله ، فقام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فاستعذر من عبد الله بن أبيّ ، فقال وهو على المنبر : « يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي ، فوالله ما علمت على أهلي إلَّا خيرا ، ولقد ذكروا لي رجلا ما علمت عليه إلَّا خيرا وكان لا يدخل على أهلي إلا معي » ، فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال : أعذرك منه يا رسول الله ، إن كان من الأوس ضربنا عنقه ، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك ، فقام سعد بن عبادة ، وهو سيد الخزرج ، وكان رجلا صالحا ، ولكنه احتملته الحمية ، فقال [ لسعد بن معاذ ] : لعمرك لا تقتله ولا تقدر على قتله ، فقام أسيد بن حضير ، وهو ابن عم سعد بن معاذ ، فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله لتقتلنه فإنك منافق تجادل / عن المنافقين . فثار الحيان : الأوس والخزرج ، حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قائم على المنبر فلم يزل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يخفضهم حتى سكتوا وسكت . قالت : فبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ دمع ولا أكتحل بنوم ، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي . قالت : فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذن عليّ امرأة من الأنصار ، فأذنت لها فجلست تبكي معي ، فبينا نحن على ذلك إذ دخل علينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فسلم ثم جلس ، قالت : ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل ، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء . قالت : فتبسم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين جلس ، ثم قال : « أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله عز وجل ، وإن كنت ألممت بذنب